مقدمة
الحمد لله الذى أرسل رسله ، وأنزل عليهم شرائعه ، وجعل العلماء الأولياء هم ورثتهم . والصلاة والسلام على من هو الإنسان الكامل ، والأدب الخالص ، الذى لم يورث دينارا ولا درهما ، وإنما ورث العلم والدين ، فمن أخذهما فهو على ميراثه صلى الله عليه وسلم .
وبعد : فهذه رسالة لطيفة فى آداب السادة الشاذلية التى ربى مولانا الشيخ عبد القادر عوض الشاذلى مريديه عليها ، وهى تناظر الرسالة الأخرى التى جمعتها فى آداب السادة النقشبندية .
والمقصود منهما أن أبين صورة الطريق فى القرن الخامس عشر الهجرى ، وأبين ما أدركنا عليه مشايخنا من الآداب والعمل ، وقد جريت فى هذه الرسالة ونظيرتها على طريقة سيدى العارف عبد الوهاب الشعرانى فى التأليف بحسب الواقعة والخاطر والحال والوارد ، دون تقيد بصنعة تأليفية .
وإنما أجمع فيه ما وجدت مشايخنا عليه بالفعل ، ولست أذكر فيه شيئا منقولا من بطون الكتب ، بل أريد أن يكون رصدا واقعيا للطريق فى قرننا هذا دون زيادة على ذلك .
والحكمة الباعثة على جمعه هو إظهار فضل مشايخنا أولا ، وبيان أن الطريق ما زال بخير ، وفيه مشايخ أكابر يشغلون المريد بما يرقيه فى مقامات الرجال ، مع التزامهم التام بالكتاب والسنة ، وجعلهما الميزان الدائم لكل صغير أو كبير من أمورهم ، والتنزه عن البدع والمحدثات ، وإكثارهم الإنكار على ذلك ، وبيانهم أن ما يقع من المنتسبين إلى التصوف من ذلك هو أمر خارج الشرع ، وإنكارهم أيضا على المعارضين للطريق بجهل وغباوة ، دون أن يتبينوا الصواب والحق من خلال ملاقاة أكابر المشايخ الصادقين العالمين العاملين .
فهذا الرسالة ونظيرتها كالميزان للمنتسبين للتصوف ، والمنكرين عليه ، على السواء .وقد أخذ سيدنا الشيخ عبد القادر عوض الشاذلى المولود (سنة 1922 م) الطريق عن سيدى أحمد العيسوى المتوفى (عصر السبت 26 صفر 1385 هـ - 26 / 6/ 1965م ، والمولود فى 21 / 4 / 1904م) والقائم ضريحه بالمنصورة بمسجده الشهير ، عن سيدى العدوى (ت 1360 هـ) والقائم ضريحه بالمنصورة بجوار مسجد القهوجى بسوق الحدادين ، عن سيدى جمال الدين بن سيدى أبى المحاسن القاوقجى (ت 1344 هـ) القائم ضريحه بالقاهرة بجبانة المجاورين ، عن سيدى العلامة المحدث العارف أبى المحاسن القاوقجى (ت 1305 هـ) ، عن سيدى محمد البهى ( ت 1260 هـ ) والقائم ضريحه بطنطا بالميدان الأحمدى قريبا من مسجد سيدى أحمد البدوى .

الاثنين، 20 أغسطس، 2007

19 - الاهتمام بأمر من يشاوروهم من الناس

ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : الاهتمام بأمر من يشاوروهم من الناس فى أمورهم ، فيشتغل سرهم بذلك انشغالا تاما ، ولا يزال متوجها فيه إلى الله تعالى حتى يكشفه الله تعالى ويرفعه أو يخففه عن صاحب الأمر . وقد شهدت من سيدى عبد القادر هذا الأمر بنفسى ، فى أمور عدة كنت أرجع إليه فيها مستشيرا ، أو سائلا الدعاء فى بلاء نزل ونحو ذلك ، فأجده دائم السؤال والتحرى عما قضى الله فى الأمر حتى يكشف الله تعالى . ولا شك أن فى هذا الأدب عمل بروح القرآن والسنة النبوية الشريفة من الاهتمام بأمر المسلمين عامة وخاصة ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يتفقد شئون أصحابه ويسأل عنها دائما . وقد رأيت من متمشيخة العصر من لا يبالى بحال من معه ، وأقصى ما يناله المريد منه قراءة الفاتحة بقلب مشغول بارد لا يبال بما نزل به من بلاء ، ولو صدق المتمشيخ فى التوجه وصدق النية فى قراءة الفاتحة لكان لها أثرها .

الخميس، 16 أغسطس، 2007

18 - الهمة العالية وعدم الركون إلى الدعة

ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : الهمة العالية وعدم الركون إلى الدعة ، والكسل أو دواعى المرض والثقل ، بل شأنهم دائما فى السعى إلى مختلف أنواع العبادات والطاعات وعدم الكسل ، وقد رأيت سيدى عبد القادر مع السن العالية لا يفتر عن ذلك بينما يصيبنا الكسل والفتور على صغر السن ، فكنت أنظر إليه وأستحيى مما نحن فيه ، أما هو رضى الله عنه فقد امتلأ وقته بالطاعات أبدا ، فإن انفرد بنفسه فديدنه التنفل بالصلاة إن سمح الوقت ولم يكن وقت كراهة ، وإلا فتلاوة القرآن أو النظر فى شىء من العلم ، وإن أتاه ضيف فالمجلس كله أدب وعلم ودين ، مع المواظبة الدائمة على الرواتب الواردة عن سيدنا النبى صلى الله عليه وسلم من نوافل الصلاة والصيام ، فرضى الله عنه وجزاه عنا خيرا .

17 - الأخذ بالأسباب

17 - ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : الأخذ بالأسباب ، مع توجه السر دائما إلى الله تعالى ، وتعلق القلب به فى ترتيب المسببات على أسبابها ، وقطع النظر إلى الأسباب رغم أخذهم بها . وقد شهدت مع سيدنا الشيخ عبد القادر واقعات عدة رأيته فيها على ذلك ، خاصة فى السفر ، فيحث على الأخذ بأسباب السفر بتمامها ، بحيث لا يتركون مما يحتاجه المسافر شيئا ولو صغيرا حتى الملح والأكواب فضلا عن كمية كافية من الأطعمة تكفى الأخوان المسافرين ومن قد ينزل عليهم من أضياف الطريق ، ثم لا يكف سيدنا الشيخ عن اللجوء إلى الله بالبركة فى الزاد ، وطلب الستر وعدم الفضيحة وعدم الحاجة أثناء السفر . وبعد هذا فمهما وقع من أمر على خلاف العادة ستروه وكتموه ولم ينشروه ، ولا يعرف بشىء منها إلا من حضرها ، وقلما سمعتهم يتحاكون بشىء من ذلك .

الأربعاء، 15 أغسطس، 2007

16- تقديمهم لمقدم كل قوم وإجلاله وتكبيره فى عيون أتباعه ومحبيه

16- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : تقديمهم لمقدم كل قوم وإجلاله وتكبيره فى عيون أتباعه ومحبيه مراعاة منهم لمصلحة الطريق فى بقاء جماعة كل شيخ مجتمعين حوله ، وعدم انفضاضهم عنهم حتى ولو كان لشيخ أكمل ، فإن من انتقل عن شيخه قلما يثبت له قدم فى الطريق ، وهذا الأدب أدل دليل على أنهم يدعون الناس إلى الله لا إلى أنفسهم ، فإن المتمشيخ المدعى الذى يدعو الناس إلى نفسه يصير يريد أن يستولى على أتباع غيره ، ولا يطيق أن يراه مريدوه يجتمع مع شيخ غيره ، خشية أن ينجذب مريدوه إلى ذلك الشيخ الآخر ، أو يريد أن يظهر ويعلو على الشيخ الآخر ليجذب مريدين ذلك الشيخ إليه . أما المشايخ الصادقين الراغبين إلى الله وحده مثل سيدى الشيخ عبد القادر ومن نحا نحوه ممن أدركناهم من أكابر مشايخ الوقت كشيخنا الولى العارف سيدى سيف الدين الكردى – على ما ذكرنا فى مناقبهم - فرأيناهم لا يبالون بذلك .

15- معرفة رجال الله تعالى من الأولياء بمجرد النظر

15- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : معرفة رجال الله تعالى من الأولياء بمجرد النظر ، وقد لاحظت ذلك من سيدنا الشيخ عبد القادر عندما يجتمع الناس عليه ، وكان ذلك أمرا واضحا لكل بصير عندما اجتمع الناس عليه بمسجد سيدى أبى الحسن الشاذلى على ما ذكرنا قريبا ، ولهم فى ذلك شأن عجيب فربما يزيدون فى العناية والإقبال برجل رث الهيئة فقير بما لا يكون مع حسن الهيئة .

14- عدم صدهم من يريد مصافحتهم ، أو السلام عليهم ممن لم تسبق لهم المعرفة بهم وإن كثر الناس وأرهقوهم بذلك

14- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : عدم صدهم من يريد مصافحتهم ، أو السلام عليهم ممن لم تسبق لهم المعرفة بهم وإن كثر الناس وأرهقوهم بذلك ، وقد رأيت سيدى عبد القادر يحتمل فى سبيل ذلك جهدا عظيما ، وقد شهدت معه فى ذلك وقائع عدة كنت أرى فيه إقبال الناس عليه رضى الله عنه ، وأرى ذلك من إقبال الله ، ومن ذلك أننا كنا فى زيارة سيدى أبى الحسن الشاذلى بجنوب مصر فى أواخر ربيع الأول سنة 1428 هـ ، وقد وصلنا إلى هناك قبيل صلاة الجمعة ، وكان المسجد مزدحما للغاية ، فجلسنا فى آخر المسجد قريبا من الباب ، وبعد الصلاة أراد بعض المصلين أن يسلم على سيدنا الشيخ ، فمنعه بعض أخواننا شفقة منه على سيدنا الشيخ من جهد السفر الطويل ونظرا أيضا للزحام الشديد ، فطلب سيدنا الشيخ من هذا الأخ أن يدع من يريد المصافحة أن يفعل ، وفى لحظات قليلة وجدنا أن عامة أهل المسجد يتزاحمون يريدون السلام على سيدنا الشيخ ومصافحته وطلب الدعاء منه ، فاضطررنا للتحلق حول سيدنا الشيخ فى حلقة قوية حتى لا يقع الناس بعضهم على بعض أو على سيدنا الشيخ والجالسين حوله من كبار الأحباب ، ونظم حركة المسير بحيث يمر الذى يريد السلام من جهة ويخرج من أخرى ، واستمر الحال على ذلك أزيد من الساعة فيما أظن ، وكان منظرا عليه من الهيبة والجلال والمحبة وتعلق الناس بمشايخهم ورغبتهم فى الصالحين ما الله به عليم ، وقد كنت واقفا فى الحلقة مما سمح لى بتأمل الواقعة بكل تفاصيلها ، وقد علمت أن ذلك من إقبال الله على سيدنا الشيخ ، ومن تمام ولايته ، بحيث خضع له عامة مشايخ الطريق الآخرين الحاضرين بالمسجد ، هم ومريدوهم الذين معهم ، وقد رأيت سيدنا الشيخ وقد تواضع لله للغاية وخشع مع تزايد إقبال الناس عليه ، وتملكه البكاء أكثر من مرة ، ولم أر سيدنا الشيخ فى حال من الجلالة والحضور مع الله والخشوع والخضوع له تعالى مثلما رأيته فى هذه الحال ، وقد ذكرنى ذلك بحال النبى صلى الله عليه وسلم عند دخوله مكة فقد صح أنه لما دخلها فاتحا تواضع لله تعالى حتى لصق بظهر دابته صلى الله عليه وسلم ، فأيقنت بكمال سيدى عبد القادر رضى الله عنه وأنه وارث محمدى على الحقيقة ، وأنه رأى فى إقبال الخلق إقبال الله ، فحضر مع مَن أقبل بهم إليه ، ولم يحجب بهم عنه ، ولا شغلوه عن مراقبته تعالى ، وهذا من رسوخ ولايته رضى الله عنه ، وقد رأيت هذا الأمر من إقبال الناس عليه حتى العوام الذين لا اشتغال لهم بالطريق مرارا ، من ذلك أنا كنا بصحبته رضى الله عنه فى زيارة لسيدى أبى العباس المرسى بمدينة الإسكندرية منذ عامين تقريبا ، وبعد أن خرجنا من مسجد سيدى أبى العباس متوجهين لزيارة مسجد سيدى البوصيرى أمامه على بعد خطوات يسيرة ، فإذا بكثير من الناس المارين بميدان الجوامع يقبلون على سيدى عبد القادر يقبلون يديه ، ويطلبون منه الدعاء ، وكنت متأخرا قليلا عن سيدنا الشيخ بأعلى درج المسجد ، وسيدنا الشيخ قد نزل مع الأحباب إلى الشارع فسمح لى ذلك بتأمل ما وقع ، فرأيت كأن مغناطيسا يجذب الناس جذبا إلى سيدنا الشيخ ، ومن العجيب أنه بعد قليل أتى موكب الطرق الصوفية مارا فى طرقات المدينة حتى انتهوا إلى ميدان الجوامع وهم يطبلون ويزمرون ويصيحون بطريقة سيئة لا تمت للإسلام ولا للتصوف بصلة قاصدين الاحتفال بمولد النبى صلى الله عليه وسلم الذى قد أشرف موعده فلم يجتمع إليهم أحد بل أثاروا سخط الجميع ورفضهم ، فعلمت أن الإقبال والإعراض إنما هو بيد الله الذى بيده قلوب العباد يقبل بهم على من يشاء ويصرفهم عمن يشاء ، ورأيت عروسين أتيا ليتم تصويرهما بميدان الجوامع ، فلما رأوا سيدنا الشيخ قصداه طالبين الدعاء ، سألين أن يصور معهما ، ووقع نفس الأمر من عروسين آخرين بمدينة قنا هذا العام (سنة 1428 هـ) عند زيارتنا لسيدى عبد الرحيم القناوى فى رحلتنا لزيارة الشيخ أبى الحسن الشاذلى ، حيث نزور سيدى عبد الرحيم ونبيت ليلة بمدينة قنا ثم نكمل المسير إلى سيدى أبى الحسن الشاذلى .

13- إكرام الضيف للغاية

13- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : إكرام الضيف للغاية ، وبشاشة الوجه له جدا ، وبسط المجلس له ، بحيث لا يتحرج الضيف من رفع حاجة له ، أو سؤال ، أو استفتاء ونحو ذلك ، وهذا من الآداب العظيمة التى رأينا عليها سيدى عبد القادر ، فإن غرض الزائر لشيخه أن يستفيد منه ، فإن ظل الشيخ على هيبته ، ولم يبسط لزائره فى المجلس ، ربما ذهب وفى صدره حاجة لم يذكرها من هيبة الشيخ ، وقد رأيت من مشايخ الوقت من لا يبسط لزائر مجلس قط فنذهب المرات والمرات إليه ولا نستطيع أن نتفوه بكلمة من شدة هيبة المجلس ، وربما كان فى هذا غرض صحيح أيضا من تعليم الأدب وتقليل الكلام ونحو ذلك ، ورأينا من مشايخ الوقت من يزيدون فى الانبساط فى المجلس بحيث ينقلب الأمر إلى الضد ويصير المجلس مجلس هرج وضحك ، أما سيدى عبد القادر فيأخذ بالميزان المستقيم ، فيبسط المجلس بحيث لا يخرج به عن حد الوقار ، ولا يمنع الجالس من حاجته وسؤاله .

12 - الاهتمام لأمر الطريق جدا

12- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : الاهتمام لأمر الطريق جدا ، والسعى جهد الطاقة لإحيائه ، ودعوة الناس إلى الله بالحال والمقال ، لا يدخر فى سبيل ذلك جهدا ولا مالا ولا وقتا ، ورغم السن العالية لسيدنا الشيخ فإن همته فى نشر الطريق تتصاغر أمامها هممُ محبيه ممن يلازمونه فى الحل والترحال ، ولا شك أننا فى زمان قد كثرت فيه القواطع والموانع بحيث يصير الناس فى غفلة عن الله ، حتى المحب للطريق غير المنكر عليه يصير لا يكاد يفرغ من كثرة الشواغل والقواطع ، أضف إلى ذلك كثرة إنكار الجهلاء من أذناب الوهابية ، فضلا عن الصادين عن سبيل الله ، وما أكثرهم فى هذا الزمان ، وكل ذلك يوجب مزيدا من الجهد على شيوخ الطريق ، وهو ما لمسناه دائما من سيدنا الشيخ ، ولا يفتىء يحث النجباء من مريديه على أن يهتموا بدعوة الناس إلى الله ما استطاعوا .

11- كراهيتهم لوصفهم بالقطب ونحوه من مريديهم

11- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : كراهيتهم لوصفهم بالقطب ونحوه من مريديهم ، وهو أدب يحمل من داخله عدة معان أو آداب أخرى ، منها عدم رؤية النفس وأن المرء لا بد أن يرى نفسه أنه لا يصلح أن يوصف بذلك ، ومنها أدبهم مع كبار الأولياء من مشايخهم ومن سبقهم فهؤلاء هم الذين حقا يوصفوا بمثله هذه الأوصاف ، وقد رأيت سيدى عبد القادر زجر خادمه سيدى عبد العزيز أبو ليلة زجرا شديدا عند إنشاد أحد القصائد فى حضرة من الحضرات وفى القصيدة : ((وبالقطب العيسوى)) فقال الشيخ عبد العزيز : ((وبالقطب العوضى)) يعنى شيخنا سيدى عبد القادر عوض ، فزجره الشيخ ، فأعادها عبد العزيز ، فزجره الشيخ ، فأعادها عبد العزيز ثالثة فقذفه الشيخ بكراس فى يده فى أثناء الحضرة مكتوب فيها القصيدة وقال له : ما تقول مثل الناس ، وغضب الشيخ جدا مع سعة حلمه ، وطول صبره ، ورفقه الدائم ، فلم أره غضب لأمر وقع من أحد المريدين مثل هذا ، ولم أره اشتد على أحد فى تعليم وتأديب مثل هذا ، فرضى الله عنه ، وقد علمت من بعض الأخوان بعض الحضرة أن سيدى عبد القادر قد سبق منه التنبيه على عبد العزيز بألا يقول ذلك ، فلهذا اشتد عليه فى هذه المرة ، لمخالفته وعدم طاعته . والذى أنا على يقين منه أن شيخنا سيدى عبد القادر كان دائما لا يرى نفسه وليا ، ولا شيخا مثل من سبق من الأولياء والمشايخ المتقدمين ، فمن كان كذلك لم ير نفسه أهلا لأن يوصف بهذه الأوصاف ، وقد أدركت عامة مشايخنا على نفس القدم ، لا يرون أنفسهم شيئا ، فالله ينفعنا بصحبتهم .

10- الاهتمام بأمر مريدهم جدا

10- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : الاهتمام بأمر مريدهم جدا ، وانشغال السر به ، بحيث لا يتركونه فى نازلة وحده ، وتصير النازلة كأنها نزلت عليهم قبله ، ولا ينفرج سرهم إلا بانفراج النازلة ، وقد رأيت من شيخنا فى هذا الباب الكثير ، فكنت إذا مرت بى ضائقة أحكيها له ، وأسأله الدعاء فى رفعها ، فأجده يهتم لها جدا ، ويصير منشغل السر بها ، ولا يدع مرة أخاطبه أو أزوره وإلا ويبادرنى بالسؤال فيما فعلت فى الأمر الفلانى ، وهل زال أم ماذا ، ثم أجد بركة اهتمامه هذا بزوال الأمر وانقضائه على ما أحب ، لكن صرت أستحيى منه من شدة اهتمامه لذلك من أن أحكى له أمرا أو أحمله هما من همومى ، ثم رأيته يفعل ذلك مع مريديه جميعا ، فضلا عما يحمله من هم أمور العامة والأمة ، وهذا أمر صعب وحمل عظيم يتحمله الشيخ عن مريديه ، والحق أن هذا هو الأصل فى الشيخ ، وقد رأيت من شيوخ العصر من لا يبالى بما يقع فيه مريدوهم ، وإذا ذهب المريد يحكى له شيئا لا يمكنه يتمه بل يسابقه الشيخ بقراءة الفاتحة لزوال ذلك ، وإذا عاد المريد بعد ذلك ليخبر شيخه بما تم فى الأمر يصير الشيخ لا يدرى فيما يتحدث مريده بسبب خلو سر الشيخ من الاهتمام به ، وليس كذلك سيدى عبد القادر فلله الحمد على ما أنعم به علينا من صحبته .

9- معرفتهم بعلامات الطاعات والعبادات والمعاصى

9- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : معرفتهم بعلامات الطاعات والعبادات والمعاصى ، ورأيتهم لآثارها على وجوه الناس ، بحيث يمكّنهم ذلك من إرشادهم على وجه صحيح ، فيرون ما ينقص المريد وما يزيد فى نوره ، وهذا من لطيف تربيتهم ، وقد حضرت سيدى عبد القادر فى منزله يوم عرفة مع جماعة من الأخوان فسألهم واحدا واحدا عن صيامهم هذا اليوم ، فالكل أجاب بما أفاد أنهم صيام ، ثم كرر السؤال على أحدهم ثلاثة مرات ، فيجيب المسئول بالحمد لله ليفيد بأنه صائم ، فلما خرجنا راجعت المسئول فى مغزى تكرار الشيخ السؤال عليه ، فأخبرنى بأنه لم يستطع الصيام من أول اليوم وفاته موعد دواء كان يأخذه فاضطر للفطر ، فعرفتُ أن الشيخ أدرك أنه ليس بصائم . ولما كنا صحبة الشيخ صفر سنة (1428 هـ) فى زيارة سيدى أبى الحسن الشاذلى ، ووقفنا فى العودة بمدينة القصير للطعام والراحة ذهب بعض الأخوان (وهو العميد محمد عبد الحى أبو ليلة) لشراء شىء من بعض المحال ، فسأله البائع أليس فى ذلك شد الرحال المنهى عنه ، وأين هم الشيوخ الذين يوثق بهم اليوم ، فقال له أخونا : تعال سلم على شيخنا . فطاوعه البائع ، وذهب إلى الشيخ فلما دنا منه قال له الشيخ سرا : ((إنك لا تصلى فحافظ على الصلاة)) ، فقبل الرجل يد الشيخ وانصرف متعجبا ، وقال لأخينا : كيف عرف أنى لم أصل كيف عرف .

8- الأخذ بالعزيمة دون الرخصة ، والاهتمام بإقامة الشرائع فى مواقيتها دون ترخص

8- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : الأخذ بالعزيمة دون الرخصة ، والاهتمام بإقامة الشرائع فى مواقيتها دون ترخص ، وقد كان سيدى عبد القادر يوصى دائما بالحفاظ على الصلاة فى مواقيتها فى الجماعة الأولى ويحث على ذلك دائما ، ويولى عناية خاصة المواقيت التى كثر إضاعة الناس لها كصلاة الفجر ، وقد وقع لى أول صحبتى له رضى الله عنه أنه كان يوقظنى كل ليلة لصلاة قيام الليل فى الثلث الأخير قبيل الفجر ولأدرك الفجر حاضرا ، وأنا مقيم بالقاهرة ، وهو فى بلده بالمنصورة ، ولست أدرى أكنت أراه مناما أم شىء بين المنام واليقظة ، ولكنى على يقين من أنه كان يوقظنى بنفسه أدركه وأراه رؤية واضحة أقوى من رؤية المنام وأضعف من رؤية اليقظة ، وأشم رائحة الطيب التى اعتادها ، وأشعر براحته ، وأسمع صوته جليا ، فأرهقنى تكرار ذلك والتزامه كل ليلة مع ما نكون فيه من الكد والسعى فى المعاش طوال النهار وأوائل الليل على ما جرت به الحياة المعاصرة فى اختلالها وعدم جريانها على مواقيت الشرع ، والذى كنت أسير عليه الترخص فى ذلك لما ورد فى السنة فى حديث المرأة التى اشتكت زوجها ، وكاد صنيع الشيخ به أن يتلفنى من شدة الإرهاق وقلة النوم وتعب السعى ، فاستأذنت بقلبى عليه فى العودة إلى الرخصة ، فانقطع عن إيقاظى ، وأول ما لقيته بعد ذلك قال لى : ((حافظ على صلاة الليل ، واستيقظ لصلاة الفجر حاضرا)) ، فأيقنت أن ما وقع معى كان بواسطته ، وليس رؤية عادية . وهذا من لطائف الولاية ، وقد كنت قرأت فى الإبريز شيئا نحو ذلك كان يقع لسيدى عبد العزيز الدباغ مع مريديه ، ثم رأيته من شيخنا فلله الحمد .

7- الاهتمام العظيم بأمر المسلمين

7- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : الاهتمام العظيم بأمر المسلمين عامة فيما ينزل بهم من نوازل عامة ، فلا يصيب الأمة أمر شديد إلا وجدت أثره بينا على سيدى عبد القادر من الحزن لما أصابهم ، والدعاء بتفريج ما هم فيه ، والسعى فى إزالة ذلك بما يقدر عليه من أسباب ظاهرة أو باطنة . ولهذا فإن الراحة لا تعرف سبيلها إلى أهل الطريق أبدا ، بسبب توارد الفتن والبلايا على المسلمين ، فلا تنزل الفتن إلا فى إثر الأخرى ، فلا يكاد يجد الفقير الراحة مما يحمله من الهم لما يصاب المسلمين ، كما قال صلى الله عليه وسلم ((من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم)) .

6- ملازمة لبس البياض ، وتغطية الرأس بالقلنسوة

6- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : ملازمة لبس البياض ، وتغطية الرأس بالقلنسوة ، خاصة فى مجالس الذكر ، عملا بالسنة الشريفة فيهما . وقد رويت آثار عن سيدنا النبى صلى الله عليه وسلم فى أنه كان يلبس القلنسوة ، وأنها بيضاء ، لاصقة بالرأس([1]) . وكان سيدى عبد القادر أشد حرصا على ذلك فى مجالس الذكر ، وينبه المريدين على ذلك ليتحدوا فى الظاهر ، إشارة إلى ما ينبغى أن يكون الحال عليه من الاتحاد فى الباطن ، وحصول حالة الحضور والجمع أثناء الذكر ، واتحاد الظاهر يساعد على ذلك ، وقد لاحظت ذلك بنفسى فوجدته حقا فإن تعدد ألوان الملابس يشتت انتباه الذاكر ولا يساعده على الحضور ، بخلاف اتفاقهم على لون واحد .
([1]) عن واثلة قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر جعلت له مائدة فأكل متكئا وأطْلَى وأصابته الشمس ولبس الظُّلَة ، أخرجه ابن عساكر (45/78) ، ((الظلة)) : القلنسوة الضيقة تجعل غطاء على الرأس ليحميها من الشمس (= الطاقية) ، ويفهم من الحديث أنها من صفة التواضع فى اللباس ، وليست كالعمائم والطيلسان .
وروى أنه صلى الله عليه وسلم كان يلبس قلنسوة بيضاء ، أخرجه الطبرانى عن ابن عمر كما فى مجمع الزوائد (5/121) ، قال الهيثمى : ((فيه عبد الله بن خراش وثقه ابن حبان وقال ربما أخطأ وضعفه جمهور الأئمة وبقية رجاله ثقات)) .
وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يلبس قلنسوة بيضاء لاطئة ، أخرجه ابن عساكر (4/193) عن السيدة عائشة رضى الله عنها ، واللاطئة : لاصقة برأسه غير مقبية .

5- الحضرة واحدة : الحضرة الإلهية والحضرة المحمدية

5- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : ملاحظة أن الحضرة واحدة : الحضرة الإلهية والحضرة المحمدية ، وقد كنت وقعت فى هذا الإشكال بحيث لو رابطت على الحضرة المحمدية خرجت من الحضرة الإلهية ، فيحصل لدى فرق من حيث أردت الجمع ، ولو رابطت على الحضرة الإلهية خرجت من الحضرة المحمدية ، ولم أعرف طريق الجمع بينهما بحيث يحصل شهودهما ومراعاتهما بلا فرق ، فسألت سيدى عبد القادر فأجابنى فى الحال : الحضرة واحدة ، وأزال هذا الإشكال عن نفسى فى الوقت ، وهذا من كماله رضى الله عنه ، فإن الشيخ الكامل من يرفع عنك إشكالات الطريق بالكلمة والكلمتين بل النظرة والهمة والتوجه ، فرضى الله عنه .

4- الإجابة فى مشكلات الطريق عن ذوق وتجربة وخبرة

4- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : الإجابة فى مشكلات الطريق عن ذوق وتجربة وخبرة بنفوس مريديه ، قبل أن يكون عن قراءة واطلاع ، وهذا شأن الكمل من الشيوخ أن يكون جوابهم للمريد عن ذوق وتجربة ، فإنه لا يكفى سعة الاطلاع للجواب فى ذلك ، لتفاوت استعدادات المريدين ، واختلاف أمزجتهم وهممهم ، فمن جاوب المريد عن اطلاع فحسب فمثاله مثال من لم يدرس الطب ولديه كتاب فيه وصف للأدوية واستعمالتها ، فيصف الدواء للمريض بالمطالعة فى الكتاب ، فهذا ضرره أكثر من نفعه ، وربما وصف لمريضه ما فيه موته وهو لا يدرى . وكنت طوال صحبتى لسيدى عبد القادر أعرض عليه ما يصادفنى فى الطريق ، وأجد فى جوابه من الصواب والحكمة والملائمة لحالى ، أكثر مما أجده بالمطالعة فى كتب القوم ، وربما عرضت عليه الأمر وفى ظنى أن جوابه يكون كذا وكذا بحسب اطلاعى ، فيجيبنى بما يؤكده تارة ، وبما يغايره أخرى ، فيفيدنى ذلك فى تثبيت ما لدى ، ومعرفة الفرق إن كان ، ونحو ذلك من الفوائد ، فرضى الله عنه .

3- البدء فى الدعاء للأخوان الغائبين قبل الحاضرين

3- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : البدء فى الدعاء للأخوان الغائبين قبل الحاضرين ، وقد اطردت على ذلك عادة سيدى عبد القادر بذكر الغائبين أولا دائما والدعاء لهم قبل الحاضرين ، فإن الغائب المعذور فى غيابه لمرض أو حاجة أو معاش له حق بالدعاء له عن ظهر قلب ، وحقه أوجب من حق الحاضر ، الذى شهد مجلس الذكر واستفاد بحضوره ما فات الغائب .

2- العناية التامة بالعلم والتعلم والتعليم

2- ومن آدابهم التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : العناية التامة بالعلم والتعلم والتعليم ، ولا يخلو مجلس من مجالس سيدى عبد القادر من العلم أبدا ، سواء كان ذلك مجلس ذكر فيكون فى أثنائه درس علم يذكر فيه سيدى عبد القادر شيئا من أحكام الفقه أو السيرة النبوية الشريفة ، أو أدبا من آداب الشريعة ، ونحو ذلك ، فجعل سيدى عبد القادر درس العلم جزء أصيلا من مجلس الذكر ، وهذا أمر لا تراه فى أغلب مجالس الذكر اليوم فالغالب على كثير من صوفية اليوم عدم الاهتمام بالعلم وقل من يقرأ منه شيئا ، والطريق مشيد على الكتاب والسنة والعلم الصحيح بهما ، ولهذا فلا بد للصوفى الصادق من تحصيل العلم قدر استطاعته ، ومن هنا تأتى عظم المعنى الذى يشير إليه سيدنا الشيخ عبد القادر بجعله درس العلم جزء لا ينفصل عن مجلس الذكر . أما فى مجالسه الخاصة ، فكلها أدب وعلم وفقه ، ولا يخرج المجلس عن ذلك أبدا ، إما أن يكون أحد الجالسين يسأل فيجيبه الشيخ ، أو يكون الشيخ هو الذى يبدأ الكلام .

1- العناية بتصحيح عقيدة الإنسان

1- فمن آداب السادة الشاذلية التى رأينا عليها سيدى عبد القادر : العناية بتصحيح عقيدة الإنسان ، وأن تكون على عقيدة أهل السنة والجماعة كما قررها الإمامان أبو الحسن الأشعرى ، وأبو منصور الماتريدى .

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى أرسل رسله ، وأنزل عليهم شرائعه ، وجعل العلماء الأولياء هم ورثتهم . والصلاة والسلام على من الإنسان الكامل ، والأدب الخالص ، الذى لم يورث دينارا ولا درهما ، وإنما ورث العلم والدين ، فمن أخذهما فهو على ميراثه صلى الله عليه وسلم .
وبعد : فهذه رسالة لطيفة فى آداب السادة الشاذلية التى ربى مولانا الشيخ عبد القادر عوض الشاذلى مريديه عليها ، وهى تناظر الرسالة الأخرى التى جمعتها فى آداب السادة النقشبندية .
والمقصود منهما أن أبين صورة الطريق فى القرن الخامس عشر الهجرى ، وأبين ما أدركنا عليه مشايخنا من الآداب والعمل ، وقد جريت فى هذه الرسالة ونظيرتها على طريقة سيدى العارف عبد الوهاب الشعرانى فى التأليف بحسب الواقعة والخاطر والحال والوارد ، دون تقيد بصنعة تأليفية .
وإنما أجمع فيه ما وجدت مشايخنا عليه بالفعل ، ولست أذكر فيه شيئا منقولا من بطون الكتب ، بل أريد أن يكون رصدا واقعيا للطريق فى قرننا هذا دون زيادة على ذلك .
والحكمة الباعثة على جمعه هو إظهار فضل مشايخنا أولا ، وبيان أن الطريق ما زال بخير ، وفيه مشايخ أكابر يشغلون المريد بما يرقيه فى مقامات الرجال ، مع التزامهم التام بالكتاب والسنة ، وجعلهما الميزان الدائم لكل صغير أو كبير من أمورهم ، والتنزه عن البدع والمحدثات ، وإكثارهم الإنكار على ذلك ، وبيانهم أن ما يقع من المنتسبين إلى التصوف من ذلك هو أمر خارج الشرع ، وإنكارهم أيضا على المعارضين للطريق بجهل وغباوة ، دون أن يتبينوا الصواب والحق من خلال ملاقاة أكابر المشايخ الصادقين العالمين العاملين .
فهذا الرسالة ونظيرتها كالميزان للمنتسبين للتصوف ، والمنكرين عليه ، على السواء .